... تلك الرسالة الناسفة

تمددت على فراشي تعباً منهكاً عقب يوم دراسي حافل طويل كان مكتظاً بالمحاضرات والندوات  كنت مهدوداً مرهقاً ومع ذلك لم أوقف عقلي عن التحليق في مواقف طريفة مررت بها في هذا اليوم بالذات استرسلت بذكرياتي على حادث لطيف وقع لي أنا وزميلتي التي تدرس معي في نفس الكلية 0 فبعد أن انتهينا من محاضرة الدكتور(000) التي تدور حول علاقة الواقع المخير بالواقع المفروض بدأنا أنا وهي في نقاش حاد وساخن حول تلك المحاضرة في الساحة الجامعية ونحن نتجول معاً 0 كنا كلانا علي طرفي نقيض 0 طرف يؤيد الواقع المخير الا وهو أنا وطرف يؤيد الواقع المفروض والتي تشدد علية هي بشكل عميق وبإصرار حاد0 وأستمر النقاش وأحتد الحوار فرأيت أن أحسم الأمر بكلمة حلوة تريحنا معاً من هذا العناد فقلت لها : أحبك أحبك ؟؟؟ فابتسمت وهي تنظر نحوي في أستسلام فقلت لها ؛ أنت تعرفين ذلك حق المعرفة 0 تعرفين الى أي مدى أنا أحبك – وأنا أيضاً أعرف أنك تحبيني – كما أعرف كيف المس هذا الحب والتجاوب من ناحيتك – فهل أنت تقدري تقولين لي 000وداعاً للأبد؟! وعادت تنظر نحوي بعينيها الحانيتين الحبيبتين المتوسلتين وردت بعتب دافئ حنون 000وهل تستطيع أنت أن تنسى الحب الذي بنينا علية أحلامنا 0 ونسجنا معه مستقبل أيامنا ؟! هل تستطيع؟! ولم أستطع الاجابه عليها سوى بكلمتين ( أنا باحبك )  ثم عدت  أؤكد لها أنني رجل لايستسلم للظروف بسهوله 0 ولكن كي أوقف هذا النزاع في الرأي قلت لها أنني أستسلم وأؤمن بالواقع المفروض وأمري لله0 بعدها شعرت بسعادة حقيقية ومتعه خفية وأنا أسمعها تهمس باسمة انها فرحة بحبنا وأملها في الله كبير أن يأتي اليوم الذي ننال فيه مرادنا 0 ويضمنا بيت الزوجية الذي نعيش نحلم بكل ركن فيه00ومشيت حبيبتي تتحدث وتسترسل وأنا أنصت اليها بكل قلبي لاأريد أن أقاطعها حتى لاتكف عن حديثها الشيق الذي يثير مشاعري ويبدد شجوني ، ويجعلني أعيش مع الأمل بانتظار الغد0وبعدها بعدة أسابيع وبينما كنت في شرودي أفكر في أحداث هذا اليوم إذ بجرس الباب يرن فيفيقني من شرودي ، ففتحت الباب فرأيت أمامي ساعي البريد الذي سلمني رسالة ما!! تعجبت فقد كانت الرسالة من أبي وبداخلها حوالة بريدية بمبلغ كبير 00 فاستغربت الآمر تمامًا لأن أبي يرسل لي مصروفي الشهري والذي يقل عن هذا المبلغ كثيراً وأن كان يفي بحاجتي ويزيد أيضاً ! آه ان في الآمر لغز اذن ؟! لكن ماهو ياترى ؟ وقرأت الرسالة واذ بها كتبت على هذا النحو بالذات دون زيادة أو نقصان 0

ولدي العزيز السلام عليكم ورحمة اله تعالى 0 انتظر اليوم الذي تتخرج فيه من الجامعة وقد نلت من العلم ما يقيك مصاعب الحياة ويكفل لك حياة رغده وشريفة 0  أرجو أن تطيع ما أقوله لك 00 لقد بعثت لك حوالة بألف دينار لتشتري لنفسك بدله أنيقة من أفخم المحلات وبعض الهدايا لأخوتك وأمك وتأتي في أقرب فرصة ممكنة في أول أجازه فقد عقدنا قرانك على أبنه عمك في القرية وهي الآن تنتظرك بالبيت 0 لقد زوجناك يابني فألف مبروك ونرجو أن تأتي بأقصى سرعة ممكنة فزوجتك بانتظارك   ( والدك)0

وسرت رعشة غيظ في بدني وبدلاً من أن تنزل دموعي سمعت ضحكاتي ترتطم بالجدران تكاد تحطمها ، وأحسست بالمقت لتلك الزوجة التي تنتظرني في البيت كالهم على القلب ، وقرأت تلك الرسالة الناسفة مائة مرة وأنا أهم بالرد عليها رافضاً هذا الوضع الكريه البغيض00 ولم تلبث ان سالت دموعي والآسي ينزف من قلبي ويخرج مذلولا من عيوني 00 فماذا أقول لحبيبتي ؟! هل أقول لها : تزوجت كالنعجة ؟ هل أقول لها : أنني كالدابة لااعلم ولا أملك من أمر نفسي شيئاً ؟! آه يالها من مهانة ويالها من مهزلة 00 انهم حتى لم يسألوني رأيي 00 بل هكذا00 فجأة دون سابق إنذار ( زوجوني ) !! وكاد أن يطق عقلي وينفجر جنوني قهراً وأنا أرجع أقرأ تلك السطور السامة الناسفة التي فجرت أحلامي وآمالي 00 وحطمت حبي! آه ياقلبي لقد مضيت عني الى الأبد 0 فهكذا بهدوء وبرود اغتالوك ياقلبي 00 وأضاعوا كل شيء مني أضاعوا عمري  00 أهدروا حياتي بعد أن ربطوني بتلك الأخرى المجهولة التي لايمكنها ان تمنحني حباً مثلما اعتطني حبيبتي !! وأعود اذكر عيون حبيبتي تلك التي تمتلئ بكل ألوان الحب 00 وأرجع أسترجع كل ذكرياتنا فأجدني وحيداً غريباً معذباً مستوحشاً وأنا أعيش شبة ميت بلا أمل ولا إحساس ولاشعور!! أنني مازلت أقرأ تلك الرسالة الناسفة حتى يومنا هذا كلما أحسست بالحنين إلى حبيبتي ؟! أنني كمن يعيد وضع رقبته تحت المقصلة كلما شعرت بالذنب واليأس المطبق من هذه الحياة الخالية الخاوية من الطعم والمعنى والمغزى 0 آه 00 حتى الان00 عقب كل تلك السنوات وبعد أن أصبحت أباً لابنتين 00 مازلت اذكر كيف غادرت تلك المدينة البعيدة خلسة دون أن أودع حبيبتي لأنني خشيت أن تكتشف حقيقة ماحدث00 نعم 00 خفت أن تعرف أنني كنت واهما غافلا عندما اعتقدت أنني رجل كامل الرجولة قادر على اتخاذ القرار 00 في حين زوجوني دون علمي 00كالنعاج ! حقا يالها من مهزلة ساخرة تمزق النفس بين البكاء والضحك 00 بين العبوس والابتسام00 بين الصمت والكلام !! وطبعا اخترت الصمت لم أناقش معهم الآمر 0 اخترت الصمت فهو ابلغ من الكلام 0 خاصة إذا كان كلام بلا معنى ولاقيمة ولا تقدير 00ولااهتمام00 ولا احترام !!

خالد محمد